علي الهجويري
95
كشف المحجوب
المشهورة ، والفراسات المذكورة ، وهو المخصوص بالفراسة والصلابة وله لطائف في هذه الطريقة ، وحقائق في هذا المعنى . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ( إن الحق ينطق على لسان عمر ) كما قال : ( كان هناك في الأمم محدثون فإن يك في أمتي فعمر ) « 1 » وله في هذه الطريقة رموز دقيقة ، لا يمكن إحصاؤها برمتها هنا . قال عمر : « العزلة راحة من خلطاء السوء » ، والعزلة نوعان : أولهما الابتعاد عن الخلق ، وثانيهما قطع كل صلة بهم . والابتعاد عن الحق عزلة اختيارية ، وهي عبارة عن ترك صحبتهم في الظاهر ، والتدبر الهادئ في أعمالك ومحاولة الابتعاد عن الخلق ، وجعلهم في مأمن من شرك ؛ أو قطع كل صلة بالخلق ، فهو مقام روحي لا علاقة له بالظاهر ، وعندما ينقطع الإنسان عن الخلق روحيا لا يعرف عن المخلوقات شيئا . ولا يمتلك تفكيره شيء . إن مثل هذا الشخص يصبح في عزلة عن الناس رغم بقائه بينهم ، إذ أن روحه في مكان بعيد عنهم ، وهذه مرتبة عالية . وقد سلك عمر الطريق الصحيح في هذا المجال ، فقد كان يعيش في الظاهر بين الناس كقائدهم وخليفتهم ، وهذا دليل واضح على أن أهل الحقيقة ، فهم وإن اندمجوا في ظاهرهم مع الخلق إلا أن قلوبهم متعلقة دوما باللّه ، وترجع إليه في كل آن ؛ وهم ينظرون إلى كل اتصال لا يحول وجوههم عن اللّه تعالى ، إذ أن الدنيا لا تصفو في نظر من يحبهم اللّه قال عمر : « دار أسست على البلوى بلا بلوى محال » . ويتخذه الصوفية نموذجا لهم في لبس المرقع ، وفي أداء فروض الدين في قوة وحزم . وعمر رضى اللّه عنه من خواص أهل الرسول وأصحابه ، وكان مقبولا لدى الحق في كل أفعاله ، إلى حد أن جبريل عليه السّلام نزل في بداية عهد الإسلام ، وقال للرسول : « قد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر » . واقتداء أهل الطائفة به في لبس المرقع ، وصلابة الدين ، إلى جوار أنه في كل ما يتصل بالأمر إمام للخلق .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده والبخاري عن أبي هريرة .